
حين يتحدث مدير مهرجان مارينا عن الشباب… هل غابت عنه قضاياهم الحقيقية؟
عالم أون لاين | مقال رأي
وأنا أستمع إلى تصريح مدير مهرجان مارينا بشاطئ السعيدية خلال افتتاح المهرجان، صراحةً، شعرت بالاستغراب، ليس بسبب تنظيم مهرجان فني، فهذا حق مشروع، ولا أحد يعارض الفن والترفيه، وإنما بسبب الطريقة التي تم بها استحضار الشباب وقضاياهم في سياق الحديث عن المهرجان.
السيد المدير، وأنت ابن مدينة بركان، وابن هذه المنطقة، وتعرف جيداً واقعها وتحولاتها، وتقدم نفسك أيضاً كصحفي ومتابع للشأن العام، فإن الحديث عن الشباب يفترض أن يكون أوسع بكثير من الحديث عن حضورهم في مهرجان أو أمام منصة فنية.
فهل فعلاً أصبح المهرجان هو ما ينقص الشباب؟
هل أصبح طموح الشاب الذي يبحث عن عمل، أو الذي يواجه غلاء المعيشة، أو يقلقه واقع التعليم والصحة، هو أن يجد سهرة فنية؟
المشكلة أن جزءاً كبيراً من الشباب اليوم يبحث عن شيء أكبر بكثير: يبحث عن مستقبل.
يبحث عن فرصة عمل، عن تعليم أفضل، عن خدمات صحية تحفظ كرامته، عن فضاءات للرياضة والثقافة، وعن أفق يجعله يفكر في بناء حياته داخل وطنه، بدل أن يصبح حلم الهجرة هو الخيار الذي يراوده.
وهنا تحديداً، كان من الممكن أن يكون الحديث عن الشباب أكثر عمقاً، خصوصاً وأننا تابعنا جميعاً خلال السنوات الماضية مشاهد وأحداثاً كشفت حجم الإحباط الذي يعيشه بعض الشباب، وما رافق ذلك من نقاش واسع حول الهجرة ومستقبل الأجيال الجديدة.
لذلك، عندما يتم تقديم المهرجان في سياق الحديث عن الشباب، فمن الطبيعي أن نسأل:
هل هذه فعلاً هي الأولوية الأولى للشباب؟
السعيدية ليست شاطئاً ومنصة ومكبرات صوت
نعم، السعيدية مدينة سياحية، ومن حقها أن تحتضن المهرجانات والأنشطة الثقافية والفنية.
لكن السعيدية التي نعرفها ليست فقط شاطئاً ورمالاً وشمساً.
إنها أيضاً مدينة لها مشاكل وانتظارات يومية، من الإنارة العمومية في عدد من الشوارع والأزقة، إلى النظافة وانتشار الأزبال في بعض النقاط، مروراً بملفات مرتبطة بالبنية التحتية والخدمات والفضاءات الموجهة للشباب.
وهنا نتساءل:
إذا كنا نريد فعلاً الحديث عن السعيدية وشبابها، فلماذا لا نتحدث أيضاً عن هذه الملفات؟
لماذا لا يكون المهرجان مناسبة لفتح نقاش حول مستقبل المدينة، وليس فقط مناسبة لعدّ الجماهير أمام المنصة؟
هل المهرجان هو ما ينقص السعيدية؟
السعيدية تعرف خلال فصل الصيف أنشطة وسهرات فنية متعددة، وتنظم المقاهي والفضاءات المختلفة حفلات تستضيف فنانين وتستقطب جمهوراً.
وبالتالي، فإن مهرجان مارينا ليس أول نشاط فني تعرفه المدينة، ولا يمكن اختزال المشهد الثقافي والترفيهي للسعيدية فيه وحده.
ومن حق الرأي العام أيضاً أن يطرح سؤالاً آخر، بعيداً عن المجاملة:
ما حجم الإشعاع الذي حققه المهرجان فعلاً؟
هل استطاع استقطاب الجمهور بالشكل المنتظر؟
هل خلق إشعاعاً حقيقياً للسعيدية؟
هل ترك أثراً ثقافياً واقتصادياً ملموساً؟
وهل كان لشباب المنطقة حضور حقيقي في مضمونه، أم أنهم كانوا في النهاية مجرد جمهور أمام منصة؟
هذه ليست اتهامات، وإنما أسئلة مشروعة من صميم حق الصحافة والرأي العام في تقييم أي تظاهرة عمومية أو جماهيرية.
النقد ليس ضد الفن
قد يسارع البعض إلى القول إن منتقدي المهرجانات ضد الفن أو ضد الترفيه.
وهذا تبسيط للنقاش.
نحن لسنا ضد المهرجان، ولسنا ضد الفنانين، ولسنا ضد أن تفرح السعيدية.
بل على العكس، نحن نريد مهرجانات أقوى، وأكثر احترافية، وأكثر ارتباطاً بالمدينة، وأكثر قدرة على خلق قيمة ثقافية واقتصادية وسياحية حقيقية.
لكننا نرفض أن يتحول المهرجان إلى واجهة تُستخدم لاختزال مشاكل المدينة أو لتقديم إجابات جاهزة عن أسئلة الشباب.
فالشباب ليسوا أرقاماً أمام منصة.
الشباب أصحاب أفكار ومواهب ومشاريع وطموحات.
وإذا أردنا فعلاً أن نتحدث عنهم، فلنتحدث عن الشغل، والتعليم، والصحة، والرياضة، والثقافة، والتكوين، والاستثمار، والفضاءات التي تحتضن طاقاتهم.
والسؤال إلى مدير المهرجان: أين مرآة الواقع؟
السيد المدير، بحكم أنك ابن المنطقة، وبحكم أنك تعرف السعيدية وبركان وتعرف أبناء الجالية المغربية، فإننا كنا ننتظر من صوتك، خصوصاً وأنت تتحدث بصفة إعلامية أيضاً، أن يكون أكثر التصاقاً بالواقع.
فالصحفي الحقيقي يفترض أن يكون مرآة للواقع، لا أن يكتفي بالنظر إلى أضواء المنصة.
والسعيدية، هذه الجوهرة الزرقاء، تحتاج إلى من يبرز جمالها، نعم، لكنها تحتاج أيضاً إلى من يتحدث عن نواقصها دون مجاملة، وعن انتظارات سكانها وشبابها دون تزيين للواقع.
الشباب الذين نراهم أمام المنصة هم أنفسهم الذين نراهم في اليوم التالي يبحثون عن فرصة عمل.
وهم أنفسهم الذين يفكر بعضهم في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل.
وهم أنفسهم الذين يسألون عن التعليم والصحة والرياضة والفضاءات وفرص الاستثمار.
فلا تجعلوا من المهرجان معياراً وحيداً لمدى اهتمام المدينة بشبابها.
السعيدية تحتاج إلى الفن، نعم.
وتحتاج إلى المهرجانات، نعم.
لكنها تحتاج أيضاً إلى الإنارة، والنظافة، والبنية التحتية، والفضاءات الشبابية، والتنمية، والاستثمار، وفرص العمل.
أما الشباب، فلا يريدون فقط أن نقول لهم:
«تعالوا إلى المهرجان».
بل يريدون أن يسمعوا جواباً عن السؤال الأصعب:
«ماذا أعددنا لكم حتى تبقوا هنا؟»
لأن الرسالة الحقيقية التي يحتاج الشباب إلى سماعها ليست فقط:
تعالوا واحضروا المهرجان…
بل:
«ابقوا هنا… لأن لكم مستقبلاً هنا».
عالم أون لاين
مقال رأي




