
سليمة فراجي تفتح ملف البلوزة الوجدية وتطالب بحماية التراث غير المادي للمملكة من السطو الممنهج
بقلم – بلال شكلال
تعيش الجهة الشرقية على وقع أزمة هيكلية متفاقمة تمس صلب الذاكرة الجماعية والأمن الثقافي الوطني، على خلفية استمرار محاولات السطو وطمس المعالم التراثية المرتبطة بالرصيد اللامادي للمملكة، وفي طليعته البلوزة الوجدية. يأتي هذا الوضع الميداني المقلق في ظل قصور تدبيري للسياسات العمومية الموجهة للمجال الترابي الحدودي، مما جعل الموروث الثقافي عرضة للقرصنة والنسب المتعمد لجهات أخرى، وسط مطارحة جادة للتحرك البرلماني والمؤسساتي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل ضياع الأصول التاريخية لحاملي المعارف والمهارات التقليدية.
أفرز اللقاء الفكري الذي احتضنه المعهد الثقافي إكليل بمدينة وجدة، يوم الخميس 5 نونبر، نقاشاً مؤسساتياً حازماً حول مآل الموروث اللامادي في ظل صدور القانون رقم 33.22 المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 23 يونيو 2025. وقد وضعت المداخلات المؤسساتية، لاسيما تلك التي قدمتها الباحثة والبرلمانية السابقة سليمة فراجي، المرفق العمومي والوزارات الوصية أمام محك المساءلة الحقيقية حول مدى تنزيل الآليات القانونية الجديدة الرامية إلى إحداث السجل الوطني لجرد التراث وتوحيد علامة التمييز الخاصة بالمغرب. إن استمرار تجميد النصوص التنظيمية لهذا القانون يحول دون تفعيل منظومة الكنوز الإنسانية وحماية الحرفيين، مما يعمق الفوارق المجالية ويضع الجهة الشرقية خارج حسابات التنمية الثقافية المستدامة التي ينص عليها الفصلان 26 و31 من الدستور المغربي.
تتوزع خيوط هذه الأزمة التدبيرية على مستويات عدة تعكس حجم التهديد المحدق بالهوية الوطنية، حيث تشكل الصناعة التقليدية المرتبطة بالبلوزة والزليج والمجبود رافعة أساسية للتنمية ومنظومة اقتصادية متكاملة تستوعب البطالة وتشغل آلاف الصانعات والصناع.
غير أن تهميش هذه الحرف يهدد بانهيار النسيج السوسيو-اقتصادي المحلي ويحرم الجهة من إمكانيات سياحية هائلة قادرة على خلق دينامية اقتصادية تضاهي التجارب الدولية. وفي المقابل، تعاني الفئات الحاملة للمعارف التقليدية من غياب التثمين المؤسساتي
في وقت تواجه فيه الصانعات التقليدية تحديات جسيمة في توثيق تقنيات التطريز والخياطة والزخرفة مثل بلوزة الوقار والجلطيطة وبلوزة الفرح، وهو ما يعرض الذاكرة الشفهية للاندثار الفجائي بوفاة شيوخ الحرفة وحملة الذاكرة. تتغذى الأزمة كذلك من سياق جيوسياسي حساس تتخلله إغلاق للحدود منذ سنة 1994، وما واكبه من استغلال ممنهج لطمس الذاكرة المشتركة وإقدام أطراف أخرى على خطوات استباقية لترشيح عناصر تراثية مشابهة لدى منظمة اليونسكو، مقابل بطء مغربي في إعداد ملفات الترافع العلمي والتاريخي الرصين.
تأسيسا على تشخيص الاختلالات البنيوية، لم يعد مقبولاً الاكتفاء بالاستعراض الفلكلوري والمهرجانات الموسمية، بل بات لزاما الانتقال إلى السرعة القصوى عبر بلورة خارطة طريق عملية ترتكز على دعائم أساسية تشمل الإسراع بإدراج البلوزة في السجل الوطني للتراث، وتأسيس متحف جهوي بمدينة وجدة يجمع التحف والبلايز التاريخية وفق سند قانوني ومحافظ رسمي.
كما تقتضي الضرورة إعداد ملف ترشيح متكامل لدى اليونسكو بمشاركة تشاركية تضم وزارة الثقافة ومجلس الجهة والجماعات الترابية وغرف الصناعة التقليدية والمؤسسات الأكاديمية والمجتمع المدني، استئنافا للمكتسبات الوطنية السابقة في تسجيل القفطان والملحون والكسكسي.




