في مؤلفها الجديد.. سليمة فراجي تروي قصة وجدة من عتمة التهميش إلى أنوار التنمية وإشراقة العهد الملكي

متابعة: علال المرضي

تفتح الأستاذة سليمة فراجي، المحامية والبرلمانية السابقة، خزائن التاريخ والذاكرة الوجدية من خلال مؤلفها الضخم الجديد «الذاكرة الجريحة بين الضلال والنور والصمود». الكتاب لا يعيد فقط تركيب جزيئات الماضي لمدينة حدودية طالما تقاطعت فيها أقدار الجغرافيا والتاريخ، بل يمثل وثيقة مرجعية ترصد باستماتة تحولات عاصمة الجهة الشرقية، متجاوزة السرد التقليدي إلى الحفر في تفاصيل وجع الذاكرة وشموخ الهوية.

جذور التاريخ الحدودي: من تضامن ثورة 16 غشت إلى مأساة “جزاء سنمار”

تتوقف الصفحات الأولى للإصدار عند محطات كبرى صنعت الهوية الحدودية الفريدة لوجدة؛ إذ يستحضر المؤلف تفاصيل ثورة 16 غشت 1953 والترابط الوثيق بين الشعبين المغربي والجزائري في مرحلة ما قبل استقلال الجارة الشرقية. ويوثق الكتاب بشهادات حية ووثائق نادرة لدور العائلات الوجدية في إيواء مناضلي جيش التحرير الجزائري، تفعيلاً للموقف التاريخي الثابت للمغفور له الملك محمد الخامس القائل بأن استقلال المغرب لا يكتمل إلا باستقلال الجزائر.

وفي المقابل، لا يتوانى العمل عن سبر أغوار الجراح التاريخية الأليمة، متمثلة في الفاجعة الإنسانية لطرد المغاربة يوم عيد الأضحى سنة 1975 وتجريدهم القسري من ممتلكاتهم، في إدانة صريحة لما وُصف بـ «جزاء سنمار» الذي تلقته مدينة نضلت باستماتة من أجل قضايا التحرر والكرامة.

WhatsApp Image 2026 11 01 at 22.43.10

من “تأديب التهميش” إلى أوراش التنمية الملكية الكبرى

لم تكن مسيرة وجدة المعاصرة مفروشة بالورد؛ فقد عانت المدينة طويلاً، بحسب توثيق فراجي، من وطأة التهميش ومعاملتها كمنطقة تأديبية حتى حدود سنة 1999. غير أن نقطة التحول الكبرى انطلقت مع الخطاب الملكي السامي في 18 مارس 2003، والذي دشن عهد الانبعاث التنموي للجهة الشرقية.

وقد أثمرت هذه الرؤية الملكية المتبصرة إنجازات هيكلية كبرى غيرت وجه المدينة، شملت إنجاز الطريق السيار، إحداث كلية الطب والمستشفى الجامعي، تشييد القطب التكنولوجي، فضلاً عن إرساء ثقافة القرب الرياضي بفضل الشيك الملكي السامي الذي منحته المؤسسة الملكية سنة 2003 لبناء أول ملعب للقرب لتعمم التجربة لاحقاً على الصعيد الوطني.

WhatsApp Image 2026 11 01 at 22.43.10 1

وجدة الأوائل: حاضنة الريادة، التراث الأصيل، والنبض الرياضي

يضعنا الكتاب أمام وجه غني لوجدة بوصفها «مدينة الأوائل بامتياز»، إذ يوثق ريادتها التاريخية في احتضان أول خط سككي، وأول محافظة عقارية، وأول هيئة للمحامين سنة 1924، إلى جانب المحكمة العصرية (1913)، مدرسة سيدي زيان (1907)، ثانوية عمر بن عبد العزيز، وحديقة لالة عائشة (1934).

وعلى الصعيد الثقافي والتراثي، ترافع الكاتبة بأسلوب أدبي رفيع عن الأصالة الوجدية؛ بدءاً من تفاصيل المطبخ المحلي (كالكسكس والحريرة)، وزي «البلوزة» العريق، وطقوس الحمام، وصولاً إلى صناعة الزرابي التاريخية (كزربية 1944) وتطلع لإنشاء متحف بالمدينة. ولضمان وصول هذه الذاكرة الحية لأجيال المهجر، صدر الإصدار بثلاث لغات (العربية، الفرنسية، والإنجليزية)، إيماناً بالقاعدة الخالدة: «من لا تاريخ له.. لا مستقبل له».

أما في المجال الرياضي والفني، فيستحضر المؤلف تأسيس نادي «مولودية وجدة» (MCO) سنة 1946، وتتويجه التاريخي بأول كأس للعرش سنة 1957 وأربعة كؤوس أخرى سلمها جلالة الملك محمد الخامس، إضافة إلى مسار الاتحاد الإسلامي الوجدي، ورياضات الركبي والملاكمة وركوب الدراجات، وبصمات أعلام الرياضة والفن الغرناطي والأندلسي وفن الراي.

WhatsApp Image 2026 11 01 at 22.42.55

شهادات وازنة تتويجاً لعمل تاريخي استثنائي

يُتوج هذا السفر التاريخي بمقدمة رصينة للدكتور المرابط العربي (عميد كلية الحقوق سابقاً وعضو الأكاديمية الملكية)، إلى جانب شهادات لشخصيات وازنة من قبيل الأستاذ بدر المقري، سي بنحمزة، سي ناصر، والبروفيسور انتصار حدية، فضلاً عن الاحتفاء بأعلام الجهة الشرقية كالمرحوم مزيان بلفقيه وسي أحمد عثمان، وختاماً بتوجيه تحية خاصة للشاعرة الكبيرة سميرة فرجي («سيدة الشعر العربي») لقاء دعمها ومرافقتها لهذه الملحمة التاريخية.

إدارة الموقع
إدارة الموقع