الباحثة المغربية الدكتورة دنيا تامري في مؤتمر مينا العلمي الأول بإسطنبول…مقاربة بينية للمسؤولية المجتمعية للإعلام الرقمي وتشكّل الوعي الجمعي في عصر الذكاء الاصطناعي

في زمن لم تعد فيه التكنولوجيا مجرد أداة خارجية يستخدمها الإنسان، بل أصبحت جزءًا من البيئة التي يتشكل داخلها انتباهه وإدراكه وسلوكه وعلاقته بالمجتمع، باتت التحولات الرقمية تفرض على البحث العلمي أسئلة تتجاوز حدود التطور التقني ذاته.

فالسؤال لم يعد مقتصرًا على ما تستطيع الخوارزميات والأنظمة الذكية إنجازه، بل امتد إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا يحدث للإنسان نفسه داخل هذه البيئة؟ وكيف يتشكل وعيه الفردي والجمعي في فضاء تتداخل فيه المعلومة بالخوارزمية، والانفعال بالتفاعل، والاختيار الإنساني بأنظمة التوصية؟

ضمن هذا الأفق جاءت المشاركة العلمية للدكتورة دنيا تامري في فعاليات مؤتمر مينا العلمي الأول للإعلام والتحولات الرقمية بمدينة إسطنبول، المنعقد يومي 28 و29 أغسطس 2026، من خلال مداخلة علمية حملت عنوان:

«المسؤولية المجتمعية للإعلام الرقمي في عصر الذكاء الاصطناعي: مقاربة سيكولوجية لتشكّل الوعي الجمعي في سياق الأزمات بين الاحتواء والتضخيم ».

الإعلام الرقمي وتحولات الوعي: إشكال بحثي في زمن الذكاء الاصطناعي

تنبع أهمية هذه المداخلة من راهنية الإشكال الذي تطرحه؛ فالتحول الرقمي لم يعد يغيّر فقط وسائل إنتاج المعلومة وتداولها، وإنما أصبح يغير بيئة التلقي نفسها.

فالمنصات الرقمية تعمل داخل منظومات خوارزمية تتفاعل باستمرار مع اهتمامات المستخدم واختياراته وأنماط سلوكه، وهو ما يجعل دراسة الإعلام اليوم بحاجة إلى تجاوز تحليل الرسالة والوسيلة نحو دراسة المتلقي ذاته: انتباهه، وانفعاله، وذاكرته، وقراره، واستجاباته السلوكية.

وتزداد أهمية هذه الإشكالية في سياقات الأزمات، حيث تتكاثف المعلومات وتتسارع عمليات التداول، ويصبح المحتوى الانفعالي والصادم أو الاستقطابي أكثر حضورًا وقابلية للانتشار.

ومن هنا لا يعود السؤال:
ماذا ينشر الإعلام؟
بل يمتد إلى:
ماذا يفعل هذا المحتوى بالإنسان؟ وكيف يمكن أن يسهم في تشكيل وعي جمعي داخل المجتمع؟

المقاربة السيكولوجية للإعلام: من المحتوى إلى أثره في الإنسان

برز الطابع النوعي للمداخلة في اعتمادها مقاربة بينية تجمع بين الإعلام والقراءة النفسية والسلوكية للمتلقي؛ فلا تقف عند حدود التكنولوجيا أو الاتصال، وإنما تبحث فيما يحدث للإنسان عندما يتعرض باستمرار إلى تدفقات المحتوى الرقمي.

لماذا يجذب محتوى معين الانتباه أكثر من غيره؟
ولماذا تُستثار استجابات انفعالية قوية تجاه بعض الأخبار؟
وما الذي يدفع الفرد إلى التفاعل أو إعادة النشر؟
وكيف يؤثر التكرار في الإدراك والذاكرة والأحكام؟
وكيف يمكن أن تتحول استجابات فردية متكررة إلى اتجاهات أو مخاوف أو مواقف جمعية؟

وبهذا المعنى، يصبح الإعلام الرقمي مجالًا تتقاطع داخله علوم الاتصال مع علم النفس والسلوك ودراسات الوعي والبيئة الرقمية.

الخوارزميات وتشكّل الوعي الجمعي في البيئة الرقمية

لا يستقبل الإنسان المحتوى الرقمي في فراغ، بل يدخل في دورة متواصلة يمكن تقريبها على النحو الآتي:

محتوى → انتباه وانفعال → تفاعل → بيانات سلوكية → توصية خوارزمية → تعرّض جديد.

فكل تفاعل يترك بيانات يمكن استخدامها في توقع ما يجذب اهتمام المستخدم لاحقًا، ثم يُعاد تقديم محتوى جديد على أساس تلك التفضيلات.

ومع التكرار، قد يتجاوز الأمر حدود التجربة الفردية ليشارك في تشكيل اتجاهات عامة، وصور ذهنية، ومخاوف أو أنماط إدراك مشتركة.
ومن هنا تبرز أهمية مفهوم الوعي الجمعي الرقمي؛ إذ لم يعد الرأي العام يتشكل فقط عبر الإعلام التقليدي، وإنما داخل فضاء شبكي تتفاعل فيه المنصات والخوارزميات والمستخدمون والمؤثرون، بما يفتح أمام البحث العلمي أسئلة مرتبطة باقتصاد الانتباه، وغرف الصدى، وفقاعات الترشيح، والتضليل الرقمي، وتأثير المحتوى الانفعالي في السلوك الفردي والجماعي.

المسؤولية المجتمعية للإعلام: من صدقية المعلومة إلى مسؤولية الأثر

تدفع هذه المقاربة كذلك إلى توسيع مفهوم المسؤولية الإعلامية.
فلم يعد كافيًا أن نسأل:
هل المعلومة صحيحة أم خاطئة؟
بل ينبغي أيضًا مساءلة طريقة تقديمها، وسياقها، ولغتها، وتكرارها، ومقدار تضخيمها، والأثر النفسي والاجتماعي المحتمل الذي تتركه.
فالخبر قد يكون صحيحًا في أصله، بينما يمكن لطريقة عرضه أو تكراره أن تخلق حالة من الخوف أو الاستقطاب تتجاوز حجمه الواقعي.
ومن هنا تصبح المسؤولية المجتمعية للإعلام الرقمي مسؤولية عن صحة المعلومة ومسارها وأثرها معًا، خاصة في بيئة أصبح فيها الذكاء الاصطناعي وأنظمة التوصية جزءًا متزايد الأهمية من إنتاج المحتوى وتوزيعه والوصول إليه.

البحث البيني وسؤال الإنسان في التحولات المعاصرة

ولا تبدو هذه المقاربة منفصلة عن المسار البحثي للدكتورة دنيا تامري؛ إذ تتحرك اهتماماتها ضمن اشتغال بحثي بيني تتقاطع فيه قضايا الإنسان والمجتمع والقيم والتواصل والإعلام، إلى جانب المقاربات النفسية والسلوكية، مع امتدادات في مجال الشريعة والاقتصاد الإسلامي.

ولا تقوم العلاقة بين هذه الحقول على مجرد تعدد في الاهتمامات، بل تلتقي حول محور ناظم يتمثل في فهم الإنسان وبناء وعيه وتحولات سلوكه وعلاقته بالمجتمع.

وفي السنوات الأخيرة، انفتح هذا الاشتغال بصورة أوسع على التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، لا باعتبارهما مجالًا منفصلًا يلغي ما سبقه، وإنما بوصفهما تحولًا جديدًا يفرض أسئلته على مجالات البحث المختلفة: كيف يمكن توظيف هذه الأدوات في التعليم والبحث والإعلام والتواصل؟ وما الذي تضيفه إلى قدرات الإنسان؟ وما الذي يمكن أن تؤثر فيه من استقلاله المعرفي أو مهاراته أو سلوكه؟

ومن هنا تبرز قيمة المقاربة البينية؛ لأن التحولات الكبرى التي يعيشها الإنسان اليوم لا يمكن دائمًا فهمها من داخل تخصص واحد.

بناء الإنسان في عصر التحول الرقمي: من التكيف مع التقنية إلى القدرة على قيادتها

ويتبلور داخل هذا المسار مشروع فكري وبحثي متكامل تشتغل عليه الدكتورة دنيا تامري حول بناء الإنسان وتأهيله في عصر التحول الرقمي.

ولا يقوم هذا المشروع على رفض التقنية أو التحفظ تجاه تطورها، كما لا يقوم على الانبهار بها باعتبارها غاية في ذاتها؛ وإنما ينطلق من البحث عن صيغة أكثر توازنًا للعلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا.

فالغاية ليست فقط أن يعرف الإنسان كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي، بل أن يكون مؤهلًا معرفيًا ونفسيًا وقيميًا للتعامل معه؛ وأن يستطيع توظيفه في التعلم والبحث والعمل والتواصل والإنتاج، مع الحفاظ في المقابل على قدرته على التفكير والتحليل والنقد والتمييز وصناعة القرار وتحمل المسؤولية.

وبهذا المعنى، يسعى المشروع إلى بناء إنسان يستفيد من التقنية دون أن يستبدل بها قدراته، ويتكيف مع التحول دون أن يفقد استقلاله داخله، ويوظف الذكاء الاصطناعي بما يوسع إمكاناته بدل أن يؤدي الاعتماد عليه إلى ضمور مهاراته الإنسانية والمعرفية.

إنها علاقة تقوم على أن يأخذ الإنسان من التقنية ما يطوّر إمكاناته، دون أن تأخذ التقنية منه ما يصنع إنسانيته.

ولا يتبلور هذا المشروع في عمل واحد مغلق، وإنما يتشكل بصورة تراكمية من خلال الأبحاث والمقالات والكتابات العلمية والفكرية والمداخلات والنقاشات واللقاءات التي تتناول، من زوايا مختلفة، التحولات التي يعرفها الإنسان المعاصر وكيفية تأهيله للتفاعل الواعي معها.
وبذلك يصبح بناء الإنسان هنا أوسع من مجرد اكتساب مهارات رقمية؛ فهو يشمل بناء الوعي، والاستقلال المعرفي، والقدرة النقدية، والمرونة في التكيف، والمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية، والقدرة على استخدام التقنية دون الارتهان لها.

الكتاب بوصفه أحد التجليات المعرفية للمشروع
وقد استجمع جانب مهم من ملامح هذا الاشتغال في أحدث إصدارات الدكتورة دنيا تامري:

« الذكاء الاصطناعي والإنسان في عصر التحول الرقمي – رؤى وتطبيقات»

فالكتاب لا يقدم الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد ثورة تقنية، وإنما يضع الإنسان في قلب التحول، ويتناول انعكاساته في عدد من المجالات المتصلة مباشرة ببنائه وحياته، من الأسرة والتعليم والبحث العلمي إلى الإعلام والتواصل، وصولًا إلى أسئلة المستقبل والعلاقة المتغيرة بين الإنسان والآلة.

ولا يمثل الكتاب المشروع كله، بقدر ما يمثل أحد أهم تجلياته المكتوبة في هذه المرحلة؛ إذ يجمع جانبًا من الأسئلة التي تشغل هذا الاشتغال حول الإنسان، وقدرته على التكيف والتعلم والاختيار، وكيفية توظيف إمكانات الذكاء الاصطناعي دون أن تتحول التقنية إلى بديل عن دوره أو قدراته الأساسية.
وهنا يلتقي الكتاب مع المداخلة العلمية دون أن يكون أحدهما تكرارًا للآخر.
فالمداخلة تركز على أحد أكثر ميادين التحول الرقمي حساسية، وهو الإعلام وتأثيره في النفس والسلوك والوعي الجمعي، بينما ينفتح الكتاب على الدائرة الأوسع لموقع الإنسان داخل التحول الرقمي.

وقد امتدت ملامح هذا الاشتغال إلى عدد من المحطات واللقاءات العلمية والثقافية والإعلامية، وبرز جانب من ذلك خلال وجود الدكتورة دنيا تامري في إسطنبول، حيث تزامنت مشاركتها العلمية في مؤتمر مينا للإعلام والتحولات الرقمية مع حضورها ضمن فعاليات مرتبطة بالمعرض الدولي للكتاب العربي، إلى جانب لقاءات علمية وثقافية وصحفية خلال الفترة نفسها.

ولا تكمن أهمية هذه المحطات في تعددها بقدر ما تعكس استمرار السؤال نفسه عبر أشكال مختلفة من البحث والكتابة والنقاش والتفاعل: أي إنسان نريد في عصر تتغير فيه التكنولوجيا بهذه السرعة؟

بناء الإنسان بوصفه رهانًا معرفيًا وأخلاقيًا للمستقبل

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحلل، ويقترح، ويتنبأ، ويرتب المعلومات، وينتج المحتوى، ويقدم بدائل متعددة؛ لكن الوعي والتمييز والاختيار القيمي وتحمل المسؤولية تبقى في جوهرها قضايا إنسانية.

ومن هنا يصبح أحد أكبر تحديات المرحلة ألا يكون تقدم التقنية أسرع من قدرة المجتمعات على تأهيل الإنسان الذي سيستخدمها ويعيش داخل بيئتها.

فالسؤال الحقيقي لم يعد فقط:

إلى أي مدى يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر تطورًا؟

بل أيضًا:

كيف نبني إنسانًا قادرًا على الاستفادة من هذا التطور، وعلى التكيف معه وقيادته، من دون أن يتراجع في وعيه واستقلاله المعرفي وقيمه وقدرته على الاختيار والمسؤولية؟

وهنا تلتقي أهمية المداخلة مع الرهان الأوسع للبحث العلمي ومع المشروع الفكري للدماورة والذي تتبلور ملامحه عبر الكتابات والمداخلات والنقاشات: أن يكون الإنسان شريكًا واعيًا في صناعة التحول الرقمي، لا مجرد متلقٍّ لنتائجه؛ وأن يأخذ من التقنية ما يوسّع إمكاناته، دون أن تأخذ منه ما يجعله إنسانًا.

إدارة الموقع
إدارة الموقع