بقلم: جمال حدادي
تلعب منصات التواصل الاجتماعي اليوم دوراً محورياً كإعلام موازٍ، حيث أصبحت فضاءً لتقاسم واسع للخروقات والتجاوزات التي يقوم بها بعض المنتسبين إلى قطاعات مهنية مختلفة، وهو ما ينعكس سلباً على صورة البلاد رغم الجهود الكبيرة المبذولة لإنجاح محطات مفصلية قادمة.
في هذا السياق، استرعى الانتباه حديث متداول حول مبادرات لتلقين السائقين المهنيين اللغة الإنجليزية بغرض تسهيل التواصل مع السياح. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل يكفي تعليمهم الإنجليزية أو غيرها من اللغات الأجنبية، في ظل غياب أبجديات أخرى أكثر أهمية ترتبط بالمهنية واللباقة واحترام القانون؟
أول ما يجب أن يتعلمه السائقون هو لغة القناعة، إذ ما يزال بعضهم يبتز الزبائن بفرض أسعار باهظة رغم وضوح التعريفة الرسمية. يليها لغة المظهر اللائق، فبينما اعتمدت بعض الدول توحيد زي السائقين وألوان سياراتهم، لا يزال بعض السائقين عندنا يرتدون ألبسة غير ملائمة للمهنة.
وتتواصل الممارسات غير المقبولة: سائق يستأذن في التدخين داخل السيارة رغم أن القانون يمنعه بشكل صارم، آخر يرفض توفير “الصرف” للزبون، وهناك من يقرر مكان التوقف أو الوجهة من دون استشارة الركاب. أما قرب محطات النقل الكبرى، فيتحول المشهد إلى فوضى حقيقية، حيث يُفرض على الزبون التوجه إلى وجهات معينة، ويُرغم على انتظار ركاب آخرين يقرر السائق ضمّهم إلى الرحلة من دون إذن.
إلى جانب ذلك، يعاني المواطنون من الركن العشوائي الذي يعرقل السير، ومن الحالة المزرية لعدد كبير من السيارات التي لا تصلح سوى لوصفها بـ”نعوش متحركة”، متسخة ومهترئة. أما في احترام قانون السير، فالكثير من السائقين يعتقدون أنهم “أسياد الطريق”، يتجاوزون الأضواء الحمراء، يلتهمون حق الأسبقية، ويبررون ذلك بإشارة يد وضحكة مفتعلة، في تناقض صارخ مع مضمون “رخصة الثقة” المفترض أن تجعلهم قدوة في السياقة واللباقة.
ولعل ما يزيد الوضع سوءاً هو صمت المتضررين، إذ أن كثيراً من المواطنين الذين يتعرضون لمثل هذه التجاوزات لا يبادرون بالتبليغ أو توثيق المخالفات، ما يساهم في استمرار هذه التصرفات.
من هنا، فإن الأولوية ليست في تعليم السائقين الإنجليزية، بل في تعليمهم أساسيات السياقة المهنية، قيم الإنسانية، وأدبيات التعامل مع الزبون. فالمؤثر الذي تمت الإساءة إليه مؤخراً لم يكن الأول ولن يكون الأخير، لكن خطورة الأمر تكمن في أن أي تجاوز موثق باللغة الإنجليزية أو غيرها يصبح رسالة سلبية يقرأها العالم بأسره عن بلدنا.
وتجدر الإشادة بسرعة تفاعل السلطات مع الحادثة الأخيرة، حيث وُضع المتهم في إطار المتابعة. غير أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق النقابات التي ينبغي أن تضطلع بدور التأطير والتقويم، لا أن تكتفي بالحياد أو بما يمكن وصفه بـ”الحياد السلبي”.




