رسالة في اليوم العالمي لمرض ” باركنسون “

بقلم : محمد الهرد

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي يبتلي ليُطهِّر ، ويأخذ ليُقرِّب ، ويُمهل ليُعلِّم ، ويُقدّر بحكمةٍ لا يحيط بها علم الإنسان ، والصلاة والسلام على من علّمنا أن مع العسر يُسراً ، وأن بعد الصبر فرجًا ، وبعد البلاء رحمةً.

يا باركنسون…

في يومك العالمي، لا أكتب إليك من باب الشكوى، ولا من مقام الاستسلام، بل من مساحة أعمق :
مساحة التأمل في معنى الابتلاء، حين يتحول من وجعٍ في الجسد إلى سؤالٍ في الروح ، ومن ارتعاشةٍ في اليد إلى يقظةٍ في الوعي.

جئتَ بهدوء، لكنك أحدثت ضجيجًا صامتًا في تفاصيل الحياة.

أبطأتَ بعض الخطى، وغيّرتَ ملامح بعض اللحظات، وفرضت حضورك على ما كان يبدو بديهيًا: حركة، توازن، وطمأنينة جسدية.

لكن الغريب فيك أنك لم تكتفِ بالجسد…
بل كشفت ما هو أعمق.

لقد علمتني، من حيث لا أحتسب، أن العلاقات لا تُختبر في لحظات القوة، بل في زمن الضعف.

وأن بعض القرب الذي كنا نظنه ثابتًا، كان هشًّا أكثر مما نتخيل.

رأيتُ من كانوا أقرب الناس يبتعدون، لا لأن المسافة اتسعت، بل لأن الامتحان كشف ما كان مخفيًا خلف الكلمات.

كنت أظن أن العائلة سندٌ لا يتغير، وأن الودّ إذا ثبت في القلب لا تهزه الظروف،
لكنني أدركت معك أن بعض القلوب تحبنا ما دمنا أقوياء، وتنسحب حين نحتاجها أكثر.
ومع ذلك… لم تُسقطني هذه الحقيقة، بل أيقظتني.

فمن خلالك تعلّمت أن القرب الحقيقي موقف، لا عادة.
وأن الوفاء يظهر في لحظة العجز، لا في لحظة الكمال.

وأن من يثبت في زمن الانكسار، هو وحده من يستحق البقاء في دائرة الروح.

يا باركنسون…

لم أعد أراك مجرد مرض، بل امتحانًا طويل النفس،
يُعيد ترتيب علاقتي بجسدي، وبالناس، وبالحياة، وبنفسي.

ومع كل هذا، أقولها بثبات لا يعرف التردد:

لن تهزمني.
قد تُبطئ الجسد،
قد تُرهق التفاصيل،
وقد تُغيّر إيقاع الأيام،
لكنّك لن تنال من إيماني، ولن تكسر إرادتي، ولن تُسقط يقيني.

أنا الذي عشتُ معارك أشد من الألم الجسدي،
وقاومتُ الظلم والحكرة والنفاق والفساد،
لن أستسلم لارتعاشة،
ولن أتنازل عن حقي في الحياة بكرامة، ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.

إن كنتَ قدرًا، فأنا راضٍ بحكم الله.
وإن كنتَ ابتلاءً، فأنا مؤمن أن مع كل ابتلاء بابًا من الرحمة يُفتح.

وإن كنتَ امتحانًا، فأنا على يقين أن الله لا يضع عبده في اختبار إلا وقد أعدّ له من القوة ما يكفي لعبوره.

اللهم إن في هذا البلاء حكمةً فافتح لنا أبواب فهمها،
وإن فيه ألمًا فخففه بلطفك،
وإن فيه درسًا فاجعلنا من الذين يتعلمون ولا يضيعون.

اللهم اشفِ كل مريض، واربط على كل مبتلى، واجعل الصبر لنا نورًا لا عبئًا، ويقينًا لا مجرد احتمال.

وفي النهاية…
تبقى الحقيقة الأعمق:
أن الجسد قد يضعف، لكن الروح التي استندت إلى الله لا تنكسر.

والرحمة والمغفرة للصابرين…

يا أرحم الراحمين.

اسمهان مداش
اسمهان مداش