
وداعًا الحاج عبد الهادي بلخياط
بقلم: محمد الهرد
يودّع المغاربة، اليوم، أحد أعمدة الأغنية المغربية الأصيلة، الفنان الكبير الحاج عبد الهادي بلخياط، الذي أسلم الروح إلى بارئها بعد مسار فني حافل بالعطاء والإبداع، خلّد خلاله اسمه في الذاكرة الجماعية لأجيال متعاقبة.
تعرفتُ على هذا الرجل، وعرَفتُ فنه عن قرب، منذ سنوات الطفولة، حين كان صوته يملأ الفضاء ويطرب الجماهير التي كانت تحجّ إلى شاطئ السعيدية، لا فقط للاستجمام بالبحر والشمس ورمال “الجوهرة الزرقاء” الذهبية، كما كان يُطلق عليها آنذاك، بل أيضًا لمتابعة سهراته الفنية التي كان يحتضنها قصر مهرجان السعيدية في منتصف ونهاية ثمانينيات القرن الماضي.
كنت حينها طفلًا، أقضي عطلتي الصيفية رفقة عائلتي بأحد المجمعات السكنية القريبة من قصر المهرجان، وكنت لا أنام إلا على نغمات صوته الدافئ، مرددًا في داخلي أغانيه الخالدة:
“فين الشباب”،
“أنا فقير دراهمي معدودة”،
وأغانٍ أخرى كثيرة ألهمت شعبًا بأكمله، وزرعت فينا، نحن الصغار، أحلامًا كبيرة، وأحاسيس صادقة لا تُنسى.
وحين أصبحت رجلًا، ومسؤولًا عن جريدة الشرق، وضمن سلسلة التكريمات التي كنت أنظمها سنويًا لفائدة الفنانين المغاربة بمناسبة الذكرى السنوية لتأسيس الجريدة، بادرتُ في أواخر تسعينيات القرن الماضي إلى الاتصال بالفنان الراحل، ودعوته لحضور حفل تكريم إلى جانب قامات فنية أخرى، منهم من غادرنا إلى دار البقاء، ومنهم من لا يزال بيننا، مثل محمد الجم، ومحمد الخلفي، وعبد القادر مطاع، ونزهة الركراكي، وغيرهم من الأسماء التي حظيت بتكريم يليق بمسارها، في حفلات كانت تعرف إقبالًا وحفاوة كبيرة، وكان بعض المكرَّمين يزورون مدينة وجدة لأول مرة في حياتهم.
اعتذر الفنان عبد الهادي بلخياط، يومها، بسبب التزاماته الفنية، ووعدني بزيارة قادمة لمدينة وجدة، التي كانت عزيزة على قلبه. ومنذ ذلك الحين، ربطتني به علاقة صداقة ومودة، علاقة إنسانية صادقة مع فنان من طراز رفيع، لا أعتقد أن الزمن سيجود بمثله مرة أخرى.
رحم الله الحاج عبد الهادي بلخياط رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عنا وعن الفن المغربي خير الجزاء، وألهم أسرته الصغيرة والكبيرة، ومحبيه كافة، جميل الصبر والسلوان.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.




